بسم الله الرحمن الرحيم
ميزان العداوات في منهج أهل
السنة والجماعة: حين يُستدعى
كلام ابن تيمية لقلب الحقائق؟
في أزمنة الفتن يكثر الخلط في الموازين،
ويختلط على كثير من الناس ترتيب
الأولويات في الصراع مع أعداء الأمة.
ويظهر حينئذٍ من يستدعي نصوص
العلماء الكبار ليبني عليها مواقف
معاصرة، لكن بعد اقتطاعها من سياقها
وإخراجها عن مقصودها.
ومن أشهر ما يُستدعى في هذا الباب
قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج
والروافض وغيرهما من أهل البدع ما
يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على
دينهم، ولا يختارون ظهور الكفر وأهله
على ظهور بدعة دون ذلك».
ثم يُقال بعد ذلك:
إن أهل السنة لا يجوز لهم أن يرضوا
بهزيمة الروافض أمام اليهود، ولا أن
يروا في ذلك مصلحة.
وهذا الكلام – عند التحقيق – يقوم على
خلط منهجي خطير، ويصادم أصول
الشريعة، ويخالف واقع كلام ابن تيمية
نفسه.
أولًا: إسقاط النص في غير سياقه:
كلام شيخ الإسلام المذكور جاء في
سياق محدد، فهو يتحدث عن مسألة:
الاستعانة بالكفار على قتال المسلمين.
أي أن طائفة من المسلمين قد تطلب
من الكفار أن يقاتلوا معها طائفة مسلمة
أخرى.
وهذا أمر منكر عند أهل السنة.
لكن إسقاط هذا الكلام على حرب تقع بين
طائفتين من الباطل دون استعانة
المسلمين بالكفار هو خلط بين مسألتين
مختلفتين تمامًا.
فالاستعانة بالكافر باب.
أما وقوع الصراع بين أهل الباطل فباب
آخر تكلم فيه الفقهاء في باب المصالح
والمفاسد.
ثانيًا: قاعدة الشريعة في دفع الشرور:
الشريعة لا تتعامل مع الواقع بمنطق
الأمنيات، بل بمنطق دفع أعظم الشرين
بأخفهما.
وهذه قاعدة عظيمة دل عليها القرآن.
قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم
ببعض لفسدت الأرض}.
فالله سبحانه يدفع فسادًا بفساد أقل منه.
وقد قرر العلماء أن:
ارتكاب أخف الضررين لدفع أعظمهما من
قواعد الشريعة الكبرى.
ولو أُلغيت هذه القاعدة لتعطلت أحكام
كثيرة من الشريعة.
ثالثًا: منهج الصحابة في قتال المرتدين:
بعد وفاة النبي ﷺ واجهت الأمة خطر الردة.
وكان هناك كفار أصليون خارج الجزيرة.
لكن الصحابة قدموا قتال المرتدين.
لماذا؟
لأن خطرهم على الإسلام أعظم، فقال
أبو بكر رضي الله عنه: "والله لأقاتلن من
فرق بين الصلاة والزكاة".
فبدأت حروب الردة.
وهذا يدل على قاعدة واضحة:
الخطر الداخلي قد يكون أعظم من
الخطر الخارجي.
رابعًا: موقف ابن تيمية من الطوائف الباطنية:
الاستدلال بكلام ابن تيمية هنا ينهار حين
ننظر إلى واقعه العملي.
فقد كتب شيخ الإسلام مطولاً عن خطر
الطوائف الباطنية، كالنصيرية والقرامطة
وغيرهم.
وقرر فيها أن هؤلاء أكثر شرًا على المسلمين
من كثير من الكفار.
وإن فسادهم أعظم من فساد التتار:
ولذلك دعا إلى قتالهم لما رأى من شدة
خطرهم على الإسلام والمسلمين.
فهل كان ابن تيمية يساوي بين جميع
الأخطار؟
الجواب: لا.
بل كان يقرر أن بعض الأخطار أشد من
غيرها.
خامسًا: الفرق بين العدو الداخلي والخارجي:
العدو الخارجي يواجه الأمة من خارجها.
أما العدو الداخلي فيضربها من داخلها.
ولهذا قرر العلماء أن قتال الخوارج
والباطنية يحفظ أصل الدين ووحدة الأمة.
وقال بعضهم في بيان ذلك:
قتال الخوارج حفظ لرأس المال، وقتال
الكفار طلب للربح.
وحفظ رأس المال مقدم على الربح.
سادسًا: خطأ تسوية المفاسد المختلفة:
ليس من الفقه أن تُسوَّى المفاسد المختلفة
في ميزان واحد.
فالعداوات ليست درجة واحدة.
وقد قرر الفقهاء أن: المفاسد تتفاوت.
وأن من الفقه: تمييز الأخطر من الأقل خطرًا.
فإذا عجز المسلمون عن دفع جميع الشرور،
وجب عليهم دفع الأعظم منها.
سابعًا: منهج أهل السنة والجماعة في الفتن:
أهل السنة والجماعة لا يوالون الكفار، ولا
يناصرون أهل البدع.
لكنهم ينظرون إلى الواقع بميزان الشرع.
فلا يحولون النصوص إلى شعارات مجردة،
ولا يسقطونها على كل واقع دون فهم
السياق.
ولهذا كان السلف يقولون:
ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر،
ولكن الفقيه من يعرف خير الخيرين وشر
الشرين
لذلك فاستعمال نصوص العلماء الكبار في
غير مواضعها يؤدي إلى اختلال الموازين
المنهجية وخاصة إذا صدر ممن ينتسب
للدعوة السلفية ولكن واقعه يكذب دعواه،
فهؤلاء دسيسة إخوانية وعصابة سرورية
تريد إفساد الدعوة السلفية من داخلها.
فيا أيها السلفي الحر هم الخطر الداهم
فاحذرهم.
والواجب أن تُفهم نصوصهم:
• في سياقها.
• وفي ضوء القواعد الشرعية.
• وفي ضوء عمل الصحابة والعلماء.
فالشريعة لا تقوم على الشعارات، بل على
تصور الواقع تصورا صحيحا، وفقه المصالح
والمفاسد.
ومن لم يميز بين أنواع الأخطار ومراتبها
وقع في اضطراب كبير في فهم الصراع
الدائر في العالم الإسلامي.
ولهذا كان السلف يؤكدون دائمًا: العلم
ليس بكثرة الأقوال، بل بحسن فهم
مقاصد الشريعة.
وكتبه حامدًا ومصليًّا ومسلمًّ
سليم بن عيد الهلالي
تلميذ الإمام الألباني
١٤٤٧/٩/١٦
الجمعة
عمان البلقاء / الأردن
المصدر:👇👇