يقول صاحب المنشور الظاهر أمامكم
أدناه:
المطاوعة ما عمرهم سوو شي غير الخطب
فقط.. ولا عمرهم بنو أي مؤسسة خدمية! يكعفو الناس خطب وغنغنة.. يموتون على
المكرفونات والتأثيرات الصوتية.. تأمل يا رعاك الله.. الله.. الله.. قال أنس.. أنس.. أنس..
أنس.. انتهى هذيانه.
والرد عليه -لأني قد
سمعتُ بهذه الشبهة أكثر من مرة- فأقول مستعينا بالله:
أولاً:
التخصص أصل في كل العلوم إلا عند أمثالك إذا كان الأمر متعلقا بالداعي إلى الله!
وأما في غير ذلك من التخصصات، ومجالات الحياة، فإن الناس يلزمونها، ولا تجدهم
يلومون أهل تخصص لماذا ما يصنعون ما يصنعه أهل التخصص الآخر المختلف عن تخصصهم.
عجباً لمنطقكم هذا؛ كل التخصصات في الدنيا تحبون أن
يلتزم أهلها بها ولا يخرجون عن مجالاتها إلا التخصصات في العلوم الشرعية، فتعطون
"الخبز لخبازه"، إلا الداعي إلى الله! تريدونه أن يكون مخترعاً،
وصانعاً، ورائد فضاء، وعسكرياً، ومنتجاً.. إلخ.
ونحن نعلم أن هذا منكم تعنت وهوى وتشويه بالدين وبحملة
الدين وتنفير الناس عنهم، تريدون أن توصلوا لمتابعيكم أن الدعاة إلى الله عز وجل
وأهل العلم لا يصلحون لشيء، وأنهم مجرد عالة على المجتمع حتى يبغضهم الناس ويتركون
أخذ العلم والدين عنهم، وإلا فوظيفة الداعي إلى الله معلومة ومحددة بنص القرآن
الكريم، وهي: الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالقول وبالكتابة، وبنحوها من وسائل
الدعوة الدعوة المعلومة.
ثانياً:
شرف الكلمة والبلاغ من محكم التنزيل؛ فوظيفة الداعي هي أشرف الوظائف، والبيان
بالقول والحجة والبرهان واللسان هو أداة التغيير الكبرى، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]؛
فهذا نص صريح في أنه لا يوجد كلام على وجه الأرض أفضل من كلام الداعي إلى الله
بلسانه.
وقال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ
وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]؛ وهنا أمر صريح
باستخدام اللسان في الدعوة والموعظة والجدال بالحق.
وغاية وظيفة الداعي إلى الله هي إيصال العلم الشرعي إلى
الناس، سواء بالقول أو بالكتابة، قال تعالى: {وَمَا
عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 17]؛ والبلاغ يكون
بالقول وبالكتابة، وكلما زاد الوضوح باللسان أو القلم عظم الأجر.
وقال تعالى: ﴿فَلا
تُطِعِ الكافِرينَ وَجاهِدهُم بِهِ جِهادًا كَبيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أي
جاهدهم بالقرآن وبيان ما فيه من حجج تدحض ما يفترون، وفي الحديث قوله ﷺ:
وَأَلْسِنَتِكُمْ"، وسيأتي في حديث ابن مسعود رضي الله عنه ما يدل على
ذلك أيضًا، فهذا هو جهاد اللسان والقلم والبنان.
فهذا يبين لك أن الحق يحتاج إلى من يشرحه ويوضحه ويدافع
عنه، يحتاج إلى من يُظهِره حتى يزول الجهل، كما يحتاج النور إلى من يسرجه ليزيل
الظُلمة، إذ قد يختلط الحق بالباطل، ويُزيَّن الباطل حتى يُظَنّ أنه هو الحق،
فيأتي أهل العلم والدعاة إلى الله فيفصِلون بين الحق والباطل، ويميزون بينهما
بميزان الشرع والعقل الصحيح، حتى لا يبقى إلا الحق صافيا نقيا، فأهل العلم الذين
نفروا في طلب العلم وتفرغوا له ثم رجعوا إلى قومهم يدعون إلى الله، {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا
نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}
[التَّوْبَةِ: ١٢٢]، هؤلاء هم الذين يدعون إلى الله باللسان وبالبنان.
ثالثاً:
نضارة الوجه للمبلغين عن رسول الله ﷺ جزاء لهم من الله وفضلا، قال النبي ﷺ: "نضَّرَ
اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فبَلَّغَهُ كما سَمِعَهُ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ
أوْعَى مِن سَامِعٍ" [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]، ووجه الدلالة من
الحديث دعاء النبي ﷺ بالجمال والنضارة لكل من بلّغ شيئاً من الدين وعن الدين، سواء
بلسانه في دروسه وخطبة، أو بقلمه في نشر العلم بين الناس.
وقال ﷺ: "جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ"، [أخرجه أبو داود
والنسائي وأحمد والدارمي وهو حديث صحيح]، فالجهاد لا يكون بالسلاح والأنفس وحسب،
بل وبالألسنة، وهو القول.
وقَالَ ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ
اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ
وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا
تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ
مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ
جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ
مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»،
أخرجه مسلم في صحيحه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه.
فانظر قوله ﷺ: «وَمَنْ
جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»،
فإذا ترك أهل الحق بيان ما عندهم، تجرّأ أهل الباطل على نشر ضلالهم، فيقع الناس في
الفتنة والاختلاف، لذلك وجب على المسلم أن يكون داعيةً للحق بقدر علمه، محسنًا في
عرضه، رفيقًا في دعوته، صابرًا على الأذى، مستيقنًا بوعد الله، كما قال سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].
فالحق لا ينتصر والدين لا ينتشر بمحاربة الدعاة إلى الله
عز وجل، بل بالعلم والحكمة والبيان باللسان والبنان، وبالصدق والإخلاص، وبالصبر
والثبات، ومن خذل الحقَّ في أي زمان أو مكان إنما يخذل نفسه ويشين نفسه، قال
تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18].
كلمة أخيرة:
سيطول المقام لو ذهبنا نسرد أدلة الكتاب والسنة في هذا
الجانب، ولكن ما تقدم فيه الكفاية، فكم يحث الدعاة إلى الله عز وجل الناس على
مكارم الأخلاق من: الصدق، والأمانة
والوفاء والحياء والصبر والكرم والتواضع والعدل والرحمة.. إلخ، ويحذرون من مساوئ
الأخلاق عكس هذه المذكورة، وهذا يساعد في رعاية المجتمع من مساوئ الأخلاق
والأفعال، ويحفظ للناس حقوقها، وهذا لوحده يحتاج فصلا مستقلا.
فاتق الله في نفسك إن كنتَ مسلماً، فإن هذا الطريق من
السخرية بالدعاة سيجرك إلى الإلحاد والزندقة، وإن كنتَ من الملاحدة المشككين في
الإسلام، فقد فضحناك وبينّا زيف منطقك أمام المسلمين حتى لا تنطلي شبهتك على
الضعيف منهم، ولله الحمد والشكر.
كتبه:
أبو عبد الرحمن قايد بن غانم الشابرة
(٥ شوال ١٤٤٧)
#ابن_الشابرة
