فبهت الذي ابتدع
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
أما بعد:
ففي هذا الزمان أصبح التزوير سهلا جدا، لمستوى أنه يستطيع أن يفعله طفل، ويتلقى هذا التزوير ضعاف النفوس وسقطهم ممن لا يبحث عن حقيقة ولا مصدر الكلام.
وقد سمعت مقطعا ينسب لشيخنا يحيى حفظه الله فيه (وكم من نساء الصحابة رضوان الله عليهم كانت زانية قبل أن تسلم)...
ولم يأت ناشروا هذا المقطع من أصحاب قناة الإفك والزور بمصدر الصوتية ولا أشاروا إلى عنوان الشريط... ونحن إذ نشير إلى الحذر من التزوير والتلفيق بالغباء الاصطناعي، فقد تم تفريغ أغلب الأشرطة القديمة وطبعت منها مجموعة في الكنز الثمين، والمجموعة الثانية فرغت كذلك وما زالت تحت الطبع، وبحثت فيها جميعا وعند الأخ مسؤول التسجيلات ولم أجد السؤال ولا النص المذكور والذي وجدته هو:
السؤال: رجل زنى بامرأة ثم تزوجها وهي حامل من الزنا وقد مضت ست سنوات، وله أربع أولاد منها، والآن يسأل عن حكم زواجه، ماذا يفعل؟
الإجابة: أما زواج المرأة أو الرجل بالمرأة التي زنى بها فإن العقد في حال حملها من أهل العلم من يرى بطلانه؛ لعموم الدليل في النهي عن نكاح الحامل، ولاسيما وهو ذريعة إلى أن يسقي مائه زرع غيره، ومنهم من يقول: لا حرمة لماء الزاني فيصح العقد وهم الجمهور، والقول الأول أصح، الذي حرره الإمام ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" لمضافرة الدليل معه، ﴿وأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق: 4]، وعلى هذا فإن عقد عليها في حال حملها وكان الماء مائه والولد ولده فإنه لم يكن سقى مائه زرع غيره إلا مظنة وليست مأنة، ولا يصح العقد وعليه أن يجدد العقد بعد الولادة، أو إن أمكنه ذلك، والزواج زواج الزاني بالزانية بعد إقامة الحد عليه إذا كانا بكرين فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه زوج زانيًا بزانية. اهـ من 15- أسئلة من اندونيسيا.
وإننا نؤكد على فرضية صحة الكلام أن هذا الكلام بهذا السياق خطأ، وزلة لسان سقط منها لفظ (الجاهلية) وأن الصواب أن يقال: (فكم من نساء الجاهلية حصل منهم الزنا قبل الإسلام)، وبعد أن أسلمت ما تعتبر زانية لأنها صارت عفيفة...)، فمكانة الصحابة رضوان الله عليهم عظيم وشأنهم رفيع، وما فعلوه قبل الإسلام لا ينسب إليهم بعد الإسلام فإن الإسلام يجب ما قبله، فما بالك بالصحبة، وهذا هو مقصود الكلام المشار إليه على فرض صحته فهذا وجهه الصحيح فإن فيه (وبعد أن أسلمت ما تعتبر زانية لأنها صارت عفيفة...) ثم استدل بقوله: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف...﴾.
وقد أخرج البخاري (4810)، ومسلم (122) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما: «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} وَنَزَلَ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ}».
قال شيخ الإسلام كما في جامع المسائل (4/43) فإن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا قبل الإسلام لا يَرْضَون أن يفعلوا مثلَ هذه الأعمال، ولما بايعَ النبي ﷺ هندًا بنتَ عُتبةَ بن ربيعة أمَّ معاوية بيعةَ النساء على أن لا يَسرقن ولا يزنين، قالت: أوَ تَزني الحُرَّةُ؟ فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلاّ للإماء. ولهذا قولهم حُرَّة تُرادُ به العفيفة، لأن الحرائرَ كن عَفائِفَ..
ومعلوم عند الجميع أنواع الأنكحة في الجاهلية التي ذكرت عائشة رضي الله عنها منها أربعة أنواع فعن عائشة رضي الله عنه قالت «أَنَّ النِّكَاحَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ:
فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ اليَوْمَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ، فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا.
وَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ.
وَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ العَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ.
وَنِكَاحُ الرَّابِعِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى المَرْأَةِ، لاَ تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ البَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا، فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا لَهُمُ القَافَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ، فَالْتَاطَ بِهِ، وَدُعِيَ ابْنَهُ، لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالحَقِّ، هَدَمَ نِكَاحَ الجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ».
فنحن نسوق الأدلة على أنه قبل الإسلام والصحبة يقع في الجاهلية ما يقع من غيرهم من أهل الجاهلية، والكلام الصادر المنسوب للشيخ إن ثبت فهو يتكلم عن تلك الفترة فترة الجاهلية لا عن ما بعد الإسلام، وأنه بعد التوبة لا تسمى زانية بل عفيفة، والله المستعان...
✍كتبه أبو مصعب حسين بن أحمد بن علي الحجوري
دار الحديث بشحوح حضرموت اليمن
17/12/1447هـ
المصدر:
https://t.me/ResponsestoAlBarameka/31103
