رابط الملف pdf👇
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
فقد حصلت مناوشات من سفهاء البرامكة، صوَّروا فيها الشيخ يحيى في صورة رافضيٍّ متتبعٍ لعثرات الصحابة وطاعنٍ فيهم، بما لا يقبله ذو طبعٍ سديد وقلبٍ سليم، وما ذلك إلا بغيًا وعدوانًا، أُسُّه وأساسه الحسد.
ﻗﺎﻝ اﻟﻘﺎﺿﻲ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ابن العربي رحمه الله:
«ﻭاﻟﻨﺎﺱ ﺇﺫا ﻟﻢ ﻳﺠﺪﻭا ﻋﻴﺒًﺎ ﻷﺣﺪ، ﻭﻏﻠﺒﻬﻢ اﻟﺤﺴﺪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻋﺪاﻭﺗﻬﻢ ﻟﻪ، ﺃﺣﺪﺛﻮا ﻟﻪ ﻋﻴﻮﺑًﺎ». انتهى.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:
«لما ﻋﻠﻤﻮا أﻧﻪ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ إﻟﻰ ﺳﻠﺐ ﻋﻠﻤﻪ، ﻋﻤﺪﻭا إﻟﻰ ﺟﺤﺪﻩ ﻭإﻧﻜﺎﺭﻩ، ﻟﻴﺰﻳﻠﻮا ﻣﻦ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻣﺤﺒﺘﻪ ﻭﺗﻘﺪﻳﻤﻪ ﻭاﻟﺜﻨﺎء ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺈﻥ ﺑﻬﺮ ﻋﻠﻤﻪ ﻭاﻣﺘﻨﻊ ﻋﻦ ﻣﻜﺎﺑﺮﺓ اﻟﺠﺤﻮﺩ ﻭالإﻧﻜﺎﺭ، ﺭﻣﻮﻩ ﺑﺎﻟﻌﻈﺎﺋﻢ ﻭﻧﺴﺒﻮﻩ إﻟﻰ ﻛﻞ ﻗﺒﻴﺢ، ﻟﻴﺰﻳﻠﻮا ﻣﻦ اﻟﻘﻠﻮﺏ ﻣﺤﺒﺘﻪ، ﻭﻳﺴﻜﻨﻮا ﻣﻮﺿﻌﻬﺎ اﻟﻨﻔﺮﺓ ﻋﻨﻪ ﻭﺑﻐﻀﻪ، ﻭﻫﺬا ﺷﻐﻞ اﻟﺴﺤﺮﺓ ﺑﻌﻴﻨﻪ، ﻓﻬﺆﻻء ﺳﺤﺮﺓ ﺑﺄﻟﺴﻨﺘﻬﻢ، ﻓﺈﻥ ﻋﺠﺰﻭا ﻟﻪ ﻋﻦ ﺷﻲء ﻣﻦ اﻟﻘﺒﺎﺋﺢ اﻟﻈﺎﻫﺮﺓ، ﺭﻣﻮﻩ ﺑﺎﻟﺘﻠﺒﻴﺲ ﻭاﻟﺘﺪﻟﻴﺲ ﻭاﻟﺪﻭﻛﺮﺓ ﻭاﻟﺮﻳﺎء ﻭﺣﺐ اﻟﺘﺮﻓﻊ ﻭﻃﻠﺐ اﻟﺠﺎﻩ، ﻭﻫﺬا اﻟﻘﺪﺭ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﺩاﺓ أﻫﻞ اﻟﺠﻬﻞ ﻭاﻟﻈﻠﻢ ﻟﻠﻌﻠﻤﺎء، ﻣﺜﻞ اﻟﺤﺮ ﻭاﻟﺒﺮﺩ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻨﻪ، ﻓﻼ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﻟﻤﻦ ﻟﻪ ﻣﺴﻜﺔ ﻋﻘﻞ أﻥ ﻳﺘﺄﺫﻯ ﺑﻪ، ﺇﺫ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻪ إﻟﻰ ﺩﻓﻌﻪ ﺑﺤﺎﻝ، ﻓﻠﻴﻮﻃﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻤﺎ ﻳﻮﻃﻨﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺑﺮﺩ اﻟﺸﺘﺎء ﻭﺣﺮ اﻟﺼﻴﻒ». انتهى.
يا له من كلام، ما أبرده على القلب وألصقه بالواقع.
وقد تركز حواري معهم في عدة نقاط، منها:
أولًا:
رد فريتهم وتلميحهم الذي يقوم مقام التصريح، بل وفي بعضهم التصريح، أن الحجوري رافضي؛ تارة يقارنون بين الشيخ والرافضة، وتارة يقولون: له طعونات لم نعهدها إلا من غلاة الرافضة، فهم في محاولتهم البائسة يريدون إلصاق هذه التهمة بالشيخ، وهيهات.
فالشيخ يحيى إمام من أئمة السنة والهدى، ذب عن الصحابة، وأوذي لحبه الصحابة رضوان الله عليهم، ولنشره وتعليمه اعتقاد حبهم وتبجيلهم وعدم المساس بهم، وهذا لا نقاش فيه عند عقلاء الخصوم.
ثانيًا:
رددت عليهم ادعاء العصمة للحرائر في الجاهلية من الوقوع في الزنا مطلقًا، استدلالًا ببعض الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وليس في كلامهما ذلك، وإنما في كلامهما أن البغاء كان معروفًا في الإماء، وهذا صحيح.
وما ورد في حديث هند رضي الله عنها من أنها قالت: «أو تزني الحرة؟» وهو حديث ضعيف بهذه الزيادة، وأصل بيعة النساء في الصحيحين.
وأن إنكارها - لو صح - ففي محيطها القرشي، إذ كان البغاء معهودًا في الإماء، أو يحمل على الغالب، كما بينه ابن حيان في تفسيره وغيره.
ثالثًا:
ذكر ما كان عليه أهل الجاهلية من الفحش والمنكرات لا يُسحب على الصحابة رضوان الله عليهم، فقد زكاهم الله بهذا الدين العظيم بعد التخلية من شؤم الجاهلية والتحلية بالإيمان.
ومن هذا الباب قول جعفر رضي الله عنه:
«كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا...» الحديث، وهو في الصحيح المسند.
رابعًا:
أقر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض أنكحة الجاهلية قبل الإسلام، وهي لا تحل في الإسلام بحال، ولا يلحق الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك شيء.
خامسًا:
ألزمتهم بأن الغيرة على الصحابة رضوان الله عليهم ليست بجعلهم غرضًا يقاضون به غرضهم لتشويه الشيخ، ويبترون كلامه من سياقه لمجرد شهوة الإسقاط والانتقام، وجعل العناوين المستفزة ليتصور الشيخ رافضيًا عند من يجهل عقيدته، أو يعرفها ويحقد عليه فيستغلها للتشويه، كحال عامة البرامكة.
سادسًا:
نبهتهم بأن الشيخ فرغت فتاواه، وأن الشيخ أبدى عذره في بعض العبارات التي قد تستبهم، أو هي زلة لسان أو سهو أو نحو ذلك مما يعتري البشر.
وكان الأولى بهم - لو كانوا غيارى على أعراض الصحابة، ولا يتخذون ادعاء ذلك سلمًا للوصول إلى المرام القبيح - لأرسلوا بالمقطع إلى الأخ القائم على موقع الشيخ، وأن الشيخ زل في هذه الكلمة ووهم في تلك الكلمة، وقد يتم نقده وقد لا يتم.
ومثل هذا محروم منه أبو جعد، وإنما هذا نهج الموفق من طلبة الحق، وهم أندر من الكبريت الأحمر؛ لأنه مرتبط بالوفاء والإنصاف، وهما عزيزان.
كيف وقد سلك هؤلاء مسلكًا شنيعًا من بتر الكلام من سياقه الذي يفهم المقصود به؟
وعلموا إصلاح الشيخ وحذفه لتلك العبارة الموهمة، وأمعنوا في التعمية فأخفوا موضعها حتى يطول الجدال.
كل هذا يظهر لك كمية ما عليه هؤلاء من الضلال والمكر الكبار الذي أزمعوا عليه، من تتبع العثرات والتقاط الزلات.
وهذا والله شؤم عليهم وغرم، ونعمة على الشيخ وغنم، وسبحان الذي سخرهم لهذا رغم أنوفهم، فنفعوا الشيخ من حيث يظنون الإضرار.
سابعًا:
مع إصلاح الشيخ وتراجعه عن تلك الزلة؛ فأما الإصلاح فقد ظهر جليًا في فتاوى الكنز الثمين، إذ حذف الشيخ تلك العبارة مطلقًا، وهو تراجع وإصلاح.
وهكذا نقل عنه تلميذه وابن أخيه والقائم على موقعه تراجعه عن تلك الكلمة.
فهم مصرون على إلصاق تهمة الطعن في الصحابيات حتى يتوب الحجوري على شروطهم.
ومنذ متى أقلتم للشيخ عثرة وقبلتم له توبة؟
ولا زلتم تصفونه - إمعانًا في الأذية - بإمام الثقلين، وأنه يقول إن شبهة الإرجاء دخلت في الصحابة، وأنه يبدع عثمان، وأنه يقول إن الصحابة شاركوا في قتل عثمان، وأن من قاموسه: «بل عليه»، وغير ذلك مما قد تراجع منه مما هو ثابت، أو أُلصق به كتَبديع عثمان رضي الله عنه.
وهل ستتورعون عن رميه بالطعن في الصحابيات وأمهات المؤمنين وأنتم ما قد تورعتم عن رميه بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهيهات.
ثامنًا:
ليس لكم من الفضل شيء سوى التشغيب وتتبع العثرات والتجسس الذي نهى عنه الشرع، الذي وصف الله أهله بالظلم.
فالشيخ حذف تلك الكلمة منذ أكثر من عشرين سنة، ولو أردتم النصح ونيل الفضيلة لأشرتم إلى تعديل الشيخ وحذفه وإصلاحه للعبارة في المفرغ، مع النصح للمشرف على موقعه بحذفها من الصوتية؛ لكون هذا من تخصصه.
هذا هو الأصل لو أردتم نصحًا، ولكنكم سلكتم جادتكم، وأشهرتم سلاح اللؤم والنذالة، وبنيتم على خستكم قصورًا وعلالي، فعاد السهم إلى النزعة، وبقيتم في حضيضكم.
وكفى الله المؤمنين القتال، والحمد لله الكبير المتعال.
والحمد لله رب العالمين.
✍🏻كتبه:
أبو عيسى علي بن رشيد العفري
١٩ من ذي الحجة ١٤٤٧هـ
