قال شيخنا #عمار_الحوباني
رؤيا النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وقوله تعالى: *{ لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْـمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِـمَ مَا لَـمْ تَعْلَـمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا}*
سورة الفتح-(27)
المبحث الأول: تفسير الآية
قال الله تعالى: *{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْـمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ}*
[الإسراء: 60].
يخبر الله تعالى أنه لم يجعل الرؤيا التي أراها لنبيه ﷺ إلا اختبارًا وتمييزًا للناس، ليظهر المصدق من المكذّب.
*أقوال العلماء في معنى الرؤيا*
*القول الأول:* رؤيا عينٍ باليقظة
وهو قول ابن عباس وجمهور المفسرين، قالوا: إن المقصود بالرؤيا ما رآه النبي ﷺ بعينه ليلة الإسراء والمعراج، فهي رؤية بصرٍ حقيقية، دلّ على ذلك قوله تعالى: *{ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}* [النجم: 17]..
فالرؤيا كانت بالعين، لا بالمنام، وكانت فتنةً للناس حين أخبرهم بما رأى.
*القول الثاني:* رؤيا منامٍ
إن النبي ﷺ رآها في المنام، لا في اليقظة، وجعلها الله فتنةً للناس لاختبار تصديقهم بالرؤى النبوية. واستدل بأن *«الرؤيا»* تُستعمل غالبًا في المنام.
*القول الثالث:* رؤيا رمزية في شأن بني أمية
أن النبي ﷺ رأى في المنام بني أمية يتعاقبون على منبره واحدًا بعد آخر، فساءه ذلك، فأنزل الله الآية: *{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}*
أي امتحانًا لهم في الملك والسلطان، وقيل: فتنةً لكراهة النبي ﷺ ما رآه.
*والراجح والصواب أن الرؤيا رؤيا عينٍ يقظةً لا منامًا.*
قال ابن جرير رحمه الله بعد أن سرد الأقوال في «تفسيره جامع البيان ط دار التربية والتراث» (17/ 483):
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى به رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أُسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أوّل هذه السورة.
وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عّز وجلّ بها، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: وما جعلنا رؤياك التي أريناك ليلة أسرينا بك من مكة إلى بيت المقدس، إلا فتنة للناس: يقول: إلا بلاء للناس الذين ارتدّوا عن الإسلام، لمَّا أُخبروا بالرؤيا التي رآها، عليه الصلاة والسلام وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادوا بسماعهم ذلك من رسول الله ﷺ تماديا في غيهم، وكفرا إلى كفرهم. اهـ
الخلاصة
تبيَّن من مجموع الأقوال أن الرؤيا في قوله تعالى: *{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ}*
هي رؤيا عينٍ في الإسراء والمعراج، أراه الله فيها آياته الكبرى، فكانت فتنةً للمكذبين، وبصيرةً للمؤمنين.
وفيها دروس عظيمة في الثبات على الحق، وتصديق الغيب، والتسليم لأمر الله، إذ يبتلي الله عباده بما يعجز عنه العقل ليظهر صدق الإيمان من زيف الادعاء.
«اللؤلؤ والمرجان في بيان الرؤى المنامية الواردة في القرآن»ص١١٣
