بسم الله الرحمن الرحيم
«صفة صلاة النبي ﷺ»… عنوان الألباني أم عنوان السلف؟
مع عوامة مرة أخرى (٢)
لم يقف محمد عوامة في نقده لكتاب شيخنا الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله «صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها» عند وصفه بأنه كتيب صغير، ولا عند جعل عنوانه شاهدًا على ما سماه «جنون العظمة»، بل أضاف إلى ذلك دعوى أشد خطرًا، وهي أن أحدًا من السلف لم يتجرأ على مثل هذا الادعاء.
وهنا تنتقل القضية من الانطباع الشخصي إلى ميدان التحقيق العلمي؛ لأن قول القائل: «لم يتجرأ أحد من السلف» نفي تاريخي عام، يكفي لنقضه أن نجد إمامًا واحدًا من السلف استعمل هذا التعبير.
فكيف إذا وجدناه بنصه في كتاب من كتب السنة، لإمام من كبار أئمة الحديث، قبل الألباني بأكثر من ألف سنة؟
الدارمي يقول: «باب صفة صلاة رسول الله ﷺ»
الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، المتوفى سنة 255هـ، أحد أئمة الحديث الكبار، عقد في «سننه» ضمن كتاب الصلاة بابًا سماه بالنص:
«باب صفة صلاة رسول الله ﷺ».
فالعبارة التي استُنكر أن يضعها شيخنا الألباني على كتابه، وقيل إن السلف لم يتجرؤوا عليها، وضعها إمام من أئمة السلف عنوانًا لباب من أبواب كتابه قبل ولادة الألباني بأكثر من ألف سنة.
وهذا ليس تشابهًا بعيدًا في المعنى، وإنما تطابق يكاد يكون حرفيًا:
الدارمي: «صفة صلاة رسول الله ﷺ».
الألباني: «صفة صلاة النبي ﷺ».
فماذا بقي من دعوى أن أحدًا من السلف لم يتجرأ على هذا؟
بل نجد الباحثين في تبويبات كتب الحديث يذكرون أن الدارمي لم ينفرد بهذا؛ فقد ترجم ابن الجارود أيضًا بـ«باب صفة صلاة رسول الله ﷺ»، بينما استعمل ابن حبان والبيهقي وغيرهما «باب صفة الصلاة» و إضافة الصلاة إلى النبي ﷺ إنما هي باعتباره القدوة المأمور بالاقتداء بصلاته.
فالتعبير إذن ليس اختراعًا ألبانيًا، فضلًا عن أن يكون علامة على «جنون العظمة».
والأعجب: ماذا وضع الدارمي تحت هذا العنوان؟
هنا تصبح الحجة أشد.
فإن الدارمي لم يكتف بأن يقول:
«باب صفة صلاة رسول الله ﷺ»
ثم يورد أحاديث متفرقة.
بل أورد تحته حديث الصحابي أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، وهو يقول في عشرة من أصحاب النبي ﷺ، أحدهم أبو قتادة:
«أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ».
فقال له الصحابة: كيف ذلك، وأنت لست أكثرهم اتباعًا للنبي ﷺ ولا أقدمهم صحبة؟
فقال: اعرضوا عليَّ.
ثم شرع أبو حميد يصف لهم صلاة النبي ﷺ: قيامه، وتكبيره، ورفع يديه، وركوعه، واعتداله، وسجوده، وجلوسه، حتى انتهى إلى الجلسة التي يكون فيها التسليم.
فلما فرغ ماذا قال له أصحاب رسول الله ﷺ؟
قالوا:
«صدقت، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ».
فتأملوا جيدًا:
صحابي يقف في مجلس عشرة من الصحابة ويقول:
«أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ».
ثم يصفها لهم من افتتاحها إلى نهايتها.
فيقره الصحابة رضي الله عنهم
ثم يأتي الألباني بعد أربعة عشر قرنًا، فيجمع الأحاديث الواردة في هذا الباب، ويدرس طرقها وأسانيدها، ثم يسمي كتابه:
«صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم».
فيصبح ذلك «جنون عظمة» وجرأة لم يتجرأ عليها السلف!
أي العبارتين -لو سلكنا طريقة عوامة في الفهم- أصرح في ادعاء العلم؟
قول الألباني:
«صفة صلاة النبي ﷺ»؟
أم قول أبي حميد رضي الله عنه :
«أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ»؟
ومع ذلك لم يفهم الصحابة من كلام أبي حميد غرورًا ولا تزكية مذمومة للنفس؛ لأنهم فهموا المراد: أنه أعلم بهذه الصفة التي سيعرضها عليهم.
وعبد الغني المقدسي يقول أيضًا: «باب صفة صلاة النبي ﷺ»
ثم استمر هذا الاصطلاح في كتب أهل العلم.
فالحافظ عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة 600هـ، صاحب الكتاب المشهور «عمدة الأحكام من كلام خير الأنام»، عقد بابًا بعنوان:
«باب صفة صلاة النبي ﷺ».
بل النبي ﷺ أمر الأمة بمعرفة صفة صلاته
والأصل الذي تقوم عليه هذه المصنفات كلها هو قول النبي ﷺ:
«صلوا كما رأيتموني أصلي».
ولهذا افتتح الألباني كتابه ببيان هذا المعنى؛ فذكر أن الصلاة من أعظم ما بينه النبي ﷺ للأمة قولًا وفعلًا، واستشهد بقوله ﷺ حين صلى على المنبر:
«إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي».
ثم بنى مشروعه على جمع ما ثبت عنده من صفات صلاة النبي ﷺ.
فكيف تعرف الأجيال اللاحقة «صلاته ﷺ» بعد انقطاع المشاهدة؟
بالرواية.
فالصحابي يصف ما رأى.
والتابعي ينقل عنه.
والمحدث يجمع الروايات.
والناقد يميز صحيحها من سقيمها.
والفقيه يستنبط أحكامها.
والمصنف يرتبها.
ثم يقول للقارئ:
هذه صفة صلاة النبي ﷺ بحسب ما ثبت من الروايات.
هذا هو عمل أهل الحديث، لا ادعاء النبوة ولا العصمة ولا الإحاطة.
«صفة صلاة النبي» لا تعني: أحطت بكل شيء
وهنا وقع الخلل الأساسي في نقد عوامة الذي لم يحسن العوم!!
فثمة فرق ظاهر بين قول المؤلف:
«صفة صلاة النبي ﷺ»
وبين قوله:
«استوعبت كل ما ثبت عن النبي ﷺ في الصلاة، ولم يفتني منه شيء، ولا يمكن لأحد أن يستدرك علي».
الأول عنوان موضوع.
والثاني دعوى استيعاب.
والألباني قال الأول، ولم يقل الثاني.
و«من التكبير إلى التسليم» لا تعني الاستيعاب المطلق أيضًا؛ وإنما تعني أن الكتاب مرتب بحسب تسلسل الصلاة: يبدأ بالتكبير وينتهي بالتسليم.
فمحاكمة المؤلف إلى معنى لم يدعه، ثم جعل ذلك المعنى المصنوع دليلًا على مرض نفسي، ليست طريقة صحيحة في النقد.
فأين المشكلة إذن؟
بعد ظهور هذه النصوص، تصبح عبارة:
«لم يتجرأ أحد من السلف على هذا»
هي التي تحتاج إلى تفسير.
ولدينا احتمالان لا ثالث لهما من جهة المعرفة بالمصادر، دون أن نفتش في النيات:
إما أن قائلها لم يكن مستحضرًا لهذه النصوص والتبويبات حين أطلق حكمه العام؛ وحينئذ فهذا قصور بيّن في الاستقراء، ولا يجوز بناء حكم كبير كـ«جنون العظمة» على استقراء ناقص.
وإما أن يكون عالمًا بوجودها ثم عرض المسألة للمستمع بطريقة توهم أن الألباني ابتدع عنوانًا لم يعرفه السلف؛ وحينئذ يكون هذا العرض تلبيسًا في الحجة؛ لأنه حجب عن السامع شاهدًا يهدم الدعوى من أساسها.
ولا نجزم بنيته ولا بما كان حاضرًا في ذهنه.
لكننا نستطيع الجزم علميًا بأن:
دعوى «لم يتجرأ أحد من السلف» باطلة.
والدليل ليس استنباطًا بعيدًا، بل عنوان في «سنن الدارمي»:
«باب صفة صلاة رسول الله ﷺ».
والمفارقة التي لا ينبغي تجاوزها
لو أردنا استعمال المعيار الذي استُعمل ضد الألباني، لوقع الإشكال أولًا على الصحابي أبي حميد!
فالألباني لم يقل:
«أنا أعلم أهل عصري بصلاة رسول الله ﷺ».
وإنما قال:
«صفة صلاة النبي ﷺ».
أما أبو حميد فقال أمام عشرة من الصحابة:
«أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ».
فأقره الصحابة بعد أن عرض عليهم الصفة:
«صدقت، هكذا كان يصلي رسول الله ﷺ».
فإذا لم يكن قول الصحابي هذا «جنون عظمة» -وحاشاه- فكيف يصبح مجرد تسمية كتاب يجمع تلك الروايات «صفة صلاة النبي ﷺ» دليلًا على جنون العظمة؟
إن الإشكال إذن ليس في العنوان.
الإشكال في الطريقة التي فُسِّر بها العنوان.
ناقشوا الألباني… ولكن بالعلم
شيخنا الألباني رحمه الله ليس معصومًا، ولا نحتاج في الدفاع عنه إلى جعله معصومًا.
فمن وجد في «صفة الصلاة» حديثًا ضعيفًا صححه الألباني فليبين علته.
ومن وجد حديثًا صحيحًا ضعفه فليثبت صحته.
ومن وجد زيادة شاذة فليكشف شذوذها.
ومن وجد رواية صحيحة فاتته فليستدركها عليه.
ومن رأى أنه أخطأ في الجمع أو الترجيح فليأت بالدليل.
هذا هو النقد الذي يليق بأهل الحديث.
أما أن نترك الأسانيد والعلل والروايات، ثم نمسك بعنوان استعمله إمام من أئمة السلف، ونبني عليه حكمًا نفسيًا على عالم من علماء الحديث، ثم نقول إن أحدًا من السلف لم يتجرأ عليه؛ فهنا تصبح الحجة نفسها أولى بالنقد من الكتاب الذي أريد نقده.
وجملة القول :لم يخترع الألباني عبارة «صفة صلاة النبي ﷺ».
الإمام الدارمي المتوفى سنة 255هـ قال قبله:
«باب صفة صلاة رسول الله ﷺ».
وعبد الغني المقدسي قال:
«باب صفة صلاة النبي ﷺ».
وأبلغ من الجميع أن الصحابي أبا حميد الساعدي قال أمام عشرة من الصحابة:
«أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ».
ثم وصفها لهم، فقالوا:
«صدقت، هكذا كان يصلي رسول الله ﷺ».
فأي جرأة اخترعها الألباني؟
وأي عنوان لم يعرفه السلف؟
إن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح:
نقد الألباني حق، والخطأ عليه ممكن، والاستدراك على كتبه مشروع؛ ولكن نسبة عنوان «صفة صلاة النبي ﷺ» إلى «جنون العظمة»، ثم الزعم أن السلف لم يتجرؤوا عليه، دعوى تنقضها كتب السنة نفسها.
وإذا كان ميزاننا هو السنة، فليكن الحكم للسنة.
فالدارمي من السلف، وعنوانه موجود، وحديث أبي حميد ثابت، وإقرار الصحابة ثابت؛ وبعد ثبوت النص لا يبقى للانطباع الشخصي سلطان عليه
يتبع الحلقة الأخيرة حيث نبين تلاعب عوامة بكتب السلف التي حققها .
سليم بن عيد الهلالي
تلميذ الامام الالباني
١٤٤٨/٣/١٤
