بسم الله الرحمن الرحيم
وردني من بعض إخواننا في اليمن هذا السؤال، وقد استحلفني السائلون بالله أن أجيبهم:
السؤال:
نحن في اليمن نقاتل مع الدولة الشرعية، وبالتعاون مع التحالف، لدفع الحوثيين واستعادة البلاد منهم. وقد أشكل على بعضنا أن القتال في سبيل الله لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله، بينما قد تقوم بعد انتهاء الحرب دولة لا تحكم بالشريعة كاملة؛ فكيف يكون القتال في سبيل الله مع عدم ضمان تحكيم الشريعة بعد النصر؟
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
هذه المسألة منشؤها الخلط بين أربعة أمور متمايزة: نية المقاتل، وحكم دفع العدوان، وسياسات الدولة القائمة، والصورة السياسية التي قد تنشأ مستقبلًا. ولا يصح أن يُجعل أحد هذه الأمور حكمًا على الآخر من غير تفصيل.
أولًا: الإخلاص أصل في ثواب الجهاد. وقد سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» متفق عليه. فالمسلم مأمور بإصلاح نيته، وألا يكون قتاله لعصبية جاهلية أو غرض دنيوي مجرد.
ثانيًا: دفع العدوان عن الدين والنفس والأهل والديار مقصد شرعي ثابت، ولا تتوقف مشروعيته على ضمان الصورة الكاملة للدولة التي ستقوم بعد انتهاء الحرب. قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].
وقال سبحانه في خبر بني إسرائيل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246].
فإذا وقع القتل والتهجير والاعتداء على الناس في دينهم وأنفسهم وديارهم، كان دفع ذلك مصلحة شرعية معتبرة، مع الالتزام بأحكام الشريعة وضوابط القتال.
ثالثًا: ليس من شرط مشروعية دفع المعتدي أن يضمن المسلم مسبقًا كمال النظام السياسي الذي سيقوم بعد زوال العدوان؛ وإنما العبرة بحكم الفعل الحاضر ونيته وضوابطه ومآلاته المعتبرة، لا باحتمالات مستقبلية مجردة.
فما ستكون عليه الدولة بعد الحرب أمر لم يقع بعد، والسياسة تتغير، والموازين تتبدل، والرجال يتغيرون، وقد يفتح الله بعد استقرار البلاد أبوابًا للإصلاح والدعوة وتحكيم الشريعة لم تكن متاحة زمن الحرب والاضطراب.
رابعًا: وجود قوانين أو أنظمة مخالفة للشريعة في دولة من الدول لا يعني أن كل من يقاتل في صفها إنما يقاتل لنصرة تلك المخالفات. فبين الأمرين فرق ظاهر؛ إذ قد يكون المقصود دفع العدوان، وحماية البلاد، وصيانة الدماء والأعراض، مع بقاء واجب إنكار المخالفات والسعي إلى إصلاحها بالوسائل الشرعية.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
خامسًا: الاعتداء على دين المسلمين وعقائدهم من أعظم المفاسد. قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]، وقال سبحانه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217].
فإذا اجتمع الاعتداء على الأنفس والديار مع الاعتداء على الدين، عظمت المفسدة، وكان دفعها بحسب القدرة والاستطاعة من مقاصد الشريعة، مع وجوب العدل، وصيانة الدماء المعصومة، وتحريم الغدر والظلم والعدوان.
سادسًا: الشريعة لا تعلق فعل الخير الممكن على بلوغ الكمال المتعذر. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فالواجب تحصيل الممكن من المصالح ودفع الممكن من المفاسد، ولا يقال: إما أن تتحقق الدولة الكاملة من أول يوم، وإما أن يترك العدوان قائمًا؛ فإن هذا ليس من فقه الشريعة في المصالح والمفاسد.
سابعًا: الموازنة الشرعية تكون بين البدائل الواقعية الممكنة، لا بين واقع ناقص وصورة مثالية غير موجودة. فينظر أي الحالين أحفظ لدين الناس ودمائهم وأعراضهم وأمنهم وبلادهم، وأيهما أقل مفسدة وأعظم مصلحة.
ثامنًا: مشروعية أصل دفع العدوان لا تجعل جميع التصرفات الواقعة في الحرب مشروعة؛ فلكل فعل حكمه. فلا يجوز قتل من لا يجوز قتله، ولا الاعتداء على المدنيين، ولا الغدر، ولا التعذيب، ولا الظلم، ولا طاعة أحد في معصية الله. فمقاصد الشريعة لا تُطلب بوسائل محرمة.
تاسعًا: إذا زال العدوان واستقرت البلاد، بقي واجب الإصلاح قائمًا: في الدعوة إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ونصح الحكام، وتعليم الناس، وإصلاح ما في الدولة والمجتمع من مخالفات بالطرق الشرعية الممكنة. فلا يُترك واجب الحاضر خوفًا من تقصير محتمل في المستقبل، ولا يكون دفع العدوان مسوغًا للسكوت عن الخطأ بعد زواله.
وبناءً على ما تقدم: فإن دفع العدوان عن الدين والنفس والأهل والديار من صور القتال المشروع متى تحققت أسبابه وشروطه وانتفت موانعه، وكان المقاتل ملتزمًا بأحكام الشريعة، قاصدًا وجه الله ودفع الظلم، لا نصرة باطل ولا عصبية محرمة.
ولا يصح إبطال هذا الأصل لمجرد احتمال أن يقع بعد الحرب تقصير في تحكيم الشريعة؛ فإن المسلم مكلف بحكم الله فيما بين يديه، لا بعلم الغيب.
فالواجب إصلاح النية، ولزوم أحكام الشرع، ودفع العدوان المشروع دفعه، ثم السعي بعد استقرار البلاد إلى الإصلاح وإقامة ما أمكن من شرع الله؛ ولكل مرحلة حكمها وواجبها.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ اليمن وأهله، ويحقن دماء المسلمين، ويرفع عنهم الفتن والظلم والعدوان، ويجمع كلمتهم على الحق، ويولي عليهم خيارهم، ويهيئ لهم من أمرهم رشدًا، ويحكم فيهم كتابه وسنة نبيه ﷺ.
والله تعالى أعلم.
سليم بن عيد الهلالي
تلميذ الإمام الألباني
الخميس 28 ربيع الأول 1448هـ
