✍🏻 سرقة القرن قطرة من بحر.
في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات، وتعلو فيه الأصوات باسم “القضية” و“المقاومة” و“الإنسانية”، كان الناس يظنون أن دموع الخطباء، وصرخات المنابر، وحملات التبرع التي تجتاح الشاشات والهواتف، تسير كلها نحو غزة… نحو الطفل الجائع، والمريض المحاصر، والبيت المهدّم.
لكن الحقيقة كانت تختبئ خلف الستار، تنتظر لحظة واحدة فقط: لحظة انقسام اللصوص.
فجأةً، وبدون مقدمات، انفجرت الفضيحة: تبرعات قُدّرت بنصف مليار دولار جُمعت باسم غزة، وباسم الجراح، وباسم الشهداء، لم تصل منها قطرة إلى أرض فلسطين.
تلاشت الأموال، تبخرت، تحولت إلى سراب
لم تكن السرقة عادية، ولا خاطفة، بل كانت مدروسة، محكمة، تُدار من غرف مغلقة، ويقف خلفها من زعموا أنهم “خدام القضية” و“حماة الأقصى”.
من قالوا للناس: “تبرعوا… فالأمة أمانة والجهاد واجب”.
ومن وقفوا على المنابر يرفعون الصوت، بينما الأيادي تمد تحت الطاولة لجمع أموال لا يعرف لها طريق إلا الحسابات المجهولة.
لقد دلّت الأحداث أن الشعارات ليست دليلاً على الصدق، وأن من يرفع راية النضال قد يخفي تحتها تجارة سوداء، وأن الاتجار بآلام المظلومين هو أقبح صور الخيانة.
وحين يصدر الاتهام من الداخل، من أبناء البيت الواحد، من الحركة التي طالما دافعت عن تلك المؤسسات… هنا فقط تظهر الحقيقة كالسيف: لم تكن القضية هي فلسطين، بل كانت القضية هي المال.
سرقة القرن لم تسرق مالاً فقط، بل سرقت الثقة، وسرقت قلوب الناس التي كانت تتعلق بكل نداء، وتصدق كل دمعة، وتظن أن العالم ما زال بخير.
ويا لمرارة الخيانة حين تأتي ممن لبسوا ثياب الوعظ، وتحدثوا بلسان الدين، وخاطبوا الناس باسم الجهاد والصمود.
إن سرقة نصف مليار دولار من تبرعات غزة ليست حدثاً مالياً، بل جريمة أخلاقية، وانكشاف كامل لمنظومة تسترت بالدين والمقاومة، بينما هي في حقيقتها شبكة مصالح، ونفوذ، ومال، وتلاعب بالعاطفة.
هذه ليست سرقة قرنٍ واحد… بل فضيحة جماعة صارت على هذا النهج.
فالتاريخ لا يسامح الفقراء إذا سرقوا لإطعام أطفالهم، وهو كذلك لا يغفر أبداً لمن سرقوا “القضية” نفسها، وباعوا دموع الناس، وآلام المظلومين، بثمن بخس، وفوقه كذبٌ كثير.
✍️كتبه أبو محمد طاهر السماوي وفقه الله
٢٩/جمادى الأولى/١٤٤٧هجرية
*نسأل الله أن ينفع بها الإسلام والمسلمين*
